منذ اندلاع الأزمـ ـة السورية في عام 2011، لعبت تركيا دوراً رئيسياً في تعـ ـقـ ـيد المشهد السياسي والعسـ ـكـ ـري داخل البلاد، حيث لم تكتفِ بـ ـدعـ ـم الجمـ ـاعـ ـات المسـ ـلـ ـحة، بل عـ ـمـ ـدت إلى احـ ـتـ ـلال أجزاء واسعة من الشمال السوري تحت ذرائـ ـع متعددة. وبرزت اتفاقية أضنة الموقعة عام 1998 بين النـ ـظـ ـام السوري السابق وتركيا كإطار قـ ـانـ ـوني تستخدمه أنقرة لتبـ ـريـ ـر تدخـ ـلاتـ ـها العسـ ـكـ ـرية، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن تركيا لم تعد تكـ ـتـ ـفي بهذه الاتفاقية، بل تسعى إلى تعديلها أو إيجاد بدائل أكثر خـ ـطـ ـورة، من خلال اتفـ ـاقـ ـيات جديدة مع سلـ ـطة دمشق.
اجتماع استخباراتي تركي – سوري لتوسيع النفوذ التركي
وفي السياق كشفت مصادر مطلعة عن اجتماع سري عُقد في 23 آذار 2025 بين ضباط في جهاز الاستخبارات التركية (MİT) واستخبارات سلطة دمشق، بزعامة أنس خطاب، وبحضور وزير الدفاع في سلطة دمشق، مرهف أبو قصرة، وذلك في الملحق العسكري التركي في دمشق.
ووفقاً للمصادر، فإن الهدف الأساسي من الاجتماع كان مناقشة “خطة بديلة” تهدف إلى تعزيز الحضور التركي في سوريا، وإعادة ترتيب نفوذ أنقرة عبر سلطة دمشق الجديدة، بحيث يصبح وجود تركيا أكثر تجذراً من الناحية السياسية والعسكرية.
إحياء اتفاقية أضنة بوجه جديد
أحد المحاور الأساسية التي نوقشت في الاجتماع كان تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة عام 1998 بين الحكومة التركية والنظام السوري السابق، والتي تمنح تركيا الحق في التدخل العسكري داخل الأراضي السورية بعمق يصل إلى 5 كيلومترات.
على أرض الواقع فإن تركيا تجاوزت هذا الحد بالفعل منذ سنوات، حيث تسيطر على مساحات واسعة تمتد من عفرين إلى رأس العين (سري كانيه) وتل أبيض، وتسعى الآن إلى شرعنة هذا الوجود عبر تعديلات على اتفاقية أضنة، تتيح لها التوسع أكثر داخل سوريا، وهو ما قد يُصعب على الدول الأوروبية التدخل أو الاعتراض، حيث ستقدمه أنقرة باعتباره اتفاقاً قانونياً بين دولتين ذات سيادة.
تعديل الاتفاقية لتوسيع الاحتلال
ما تسعى إليه تركيا في الوقت الحالي هو إيجاد “نسخة جديدة” من اتفاقية أضنة، تكون أكثر خطورة على المكونات السورية، وخاصة الكورد، وذلك عبر إدراج بنود تمنحها حرية أوسع في التحرك العسكري داخل سوريا دون قيد جغرافي أو زمني، مما يعني أن سوريا قد تصبح مستقبلاً تحت هيمنة تركية دائمة. ومن أجل تحقيق ذلك، تعمل أنقرة على إبرام هذه الاتفاقيات مع سلطة دمشق الجديدة، لضمان بقاء نفوذها في المنطقة تحت غطاء قانوني وسياسي جديد.
التداعيات المحتملة
محاولة تركيا تعديل اتفاقية أضنة أو استبدالها باتفاقيات جديدة مع سلطة دمشق، تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على مستقبل سوريا، حيث يمكن أن تؤدي إلى:
تعميق الانقسامات السورية: إذ ستسهم هذه الاتفاقيات في تكريس النفوذ التركي داخل سوريا، مما قد يؤدي إلى تقسيم فعلي للبلاد.
إطالة أمد الصراع: من شأن التدخل التركي أن يعيق إيجاد حل للأزمة السورية وهذا سيؤدي إلى إطالة أمد الصراع في البلاد.
إضعاف السيادة السورية: عبر فرض ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة تجعل من سوريا ساحة مفتوحة لتدخلات تركيا، دون الحاجة إلى إذن دولي أو توافق داخلي.
تغيير ديمغرافي واسع النطاق: حيث ستمضي أنقرة في سياساتها القائمة على توطين اللاجئين السوريين الموالين لها في المناطق التي تسيطر عليها، على حساب السكان الأصليين وخصوصاً الكورد الذين جرى تهجيرهم من مناطقهم الأصلية طيلة سنوات الأزمة في سوريا.
إن محاولات تركيا لتعديل اتفاقية أضنة أو استبدالها بصيغ جديدة تعكس أطماعها للسيطرة الدائمة على أجزاء من سوريا، مستغلة حالة الفوضى والانقسام الداخلي. ومع ذلك، فإن هذه المخططات قد تواجه مقاومة من القوى المحلية والدولية التي ترفض أي محاولات لشرعنة الاحتلال التركي، مما يضع سوريا أمام مرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي المعقد.